عمر السهروردي
607
عوارف المعارف
المريد يتغير ويحتاج إلى التمييز ، وليس في هذا الكلام وأمثاله ما ينافي ما ذكرناه . قيل لمحمد بن الفضل : حاجة العارفين إلى ماذا ؟ قال : حاجتهم إلى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا وهي الاستقامة . وكل من كان أتم معرفة كان أتم استقامة ، فاستقامة أرباب النهاية على التمام . والعبد في اابتداء مأخوذ في الأعمال محجوب بها عن الأحوال ، وفي التوسط محفوظ بالأحوال ، فقد يحجب عن الاعمال . وفي الانتهاء لا تحجبه الأعمال عن الأحوال ، ولا الأحوال عن الأعمال ، وذلك هو الفضل العظيم . سئل الجنيد عن النهاية فقال : هي الرجوع إلى البداية . وقد فسر بعضهم قول الجنيد فقال : معناه أنه كان في ابتداء أمره في جهل ، ثم وصل إلى المعرفة ، ثم رد إلى التحير والجهل ، وهو كالطفولية يكون جهل ، ثم علم ، ثم جهل . قال اللّه تعالى : . . . لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً . . . « 1 » . وقال بعضهم : اعرف الخلق باللّه أشدهم تحيرا فيه . ويجوز ان يكون معنى ذلك ما ذكرناه أنه يبادئ الأعمال ثم يرقى إلى الأحوال ، ثم يجمع له بين الأعمال والأحوال ، وهذا يكون للمنتهى المراد المأخوذ في طريق المحبوبين ، تنجذب روحه إلى الحضرة الإلهية ، وتستتبع القلب ، والقلب يستتبع النفس ، والنفس تستتبع القالب ، فيكون بكليته قائما باللّه ، ساجدا بين يدي اللّه تعالى ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( ( سجد لك سوادي وخيالي ) ) .
--> ( 1 ) سورة النحل : الآية 70 .